فصل: تفسير الآية رقم (40):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معالم التنزيل المشهور بـ «تفسير البغوي»



.تفسير الآيات (33- 39):

{كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)}
{كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا} قال الكلبي: نصلي لك كثيرا. {وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا} نحمدك ونثني عليك بما أوليتنا من نعمك. {إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا} خبيرا عليما. {قَالَ} الله تعالى: {قَدْ أُوتِيتَ} أعطيت، {سُؤْلَكَ} جميع ما سألته، {يَا مُوسَى} {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ} أنعمنا عليك، {مَرَّةً أُخْرَى} يعني قبل هذه المرة وهي: {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ} وحي إلهام، {مَا يُوحَى} ما يلهم. ثم فسر ذلك الإلهام وعدد نعمه عليه: {أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ} أي: ألهمناها أن اجعليه في التابوت، {فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ} يعني نهر النيل، {فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ} يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر، مجازه: حتى يلقيه اليم بالساحل: {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ} يعني فرعون. فاتخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا ووضعت فيه موسى، وقيرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثم ألقته في النيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينما فرعون جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذ بتابوت يجيء به الماء، فأمر الغلمان والجواري بإخراجه، فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبي من أصبح الناس وجها، فلما رآه فرعون أحبه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} قال ابن عباس: أحبه وحببه إلى خلقه: قال عكرمة: ما رآه أحد إلا أحبه. قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلا عشقه.
{وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} يعني لتربى بمرآي ومنظر مني، قرأ أبو جعفر {ولتصنع} بالجزم.

.تفسير الآية رقم (40):

{إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40)}
{إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ} واسمها مريم، متعرفة خبره، {فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ}؟ أي على امرأة ترضعه وتضمه إليها؛ وذلك أنه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلما قالت ذلك لهم أخته قالوا: نعم، فجاءت بالأم فقبل ثديها، فذلك قوله تعالى: {فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا} بلقائك، {وَلا تَحْزَنْ} أي: لأن يذهب عنها الحزن.
{وَقَتَلْتَ نَفْسًا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة، {فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ} أي من غم القتل وكربه، {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} قال ابن عباس رضي الله عنه: اختبرناك اختبارا. وقال الضحاك ومقاتل: ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا.
وعن ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: أن الفتون وقوعه في محنة بعد محنة خلصه الله منها، أولها أن أمه حملته في السنة التي كان فرعون يذبح الأطفال، ثم إلقاؤه في البحر في التابوت، ثم منعه الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم أخذه بلحية فرعون حتى هم بقتله، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة، ثم قتله القبطي، وخروجه إلى مدين خائفا. فكان ابن عباس يقص القصة على سعيد بن جبير، فعلى هذا معنى: {وَفَتَنَّاكَ} خلصناك من تلك المحن، كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من كل خبث فيه والفتون: مصدر.
{فَلَبِثْتَ} فمكثت، أي: فخرجت من مصر فلبثت، {سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ} يعني ترعى الأغنام عشر سنين، ومدين بلدة شعيب عليه السلام على ثمان مراحل من مصر، هرب إليها موسى. وقال وهب: لبث عند شعيب عليه السلام ثمانيا وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر ابنته صفيرا بنت شعيب، وثمان عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له.
{ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} قال مقاتل: على موعد ولم يكن هذا الموعد مع موسى وإنما كان موعدا في تقدير الله، قال محمد بن كعب: جئت على القدر الذي قدرت أنك تجيء.
وقال عبد الرحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة، وهو القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء، وهذا معنى قول أكثر المفسرين، أي على الموعد الذي وعده الله وقدره أنه يوحى إليه بالرسالة، وهو أربعون سنة.

.تفسير الآيات (41- 44):

{وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)}
قوله عز وجل: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} أي اخترتك واصطفيتك لوحيي ورسالتي، يعني لتنصرف على إرادتي ومحبتي، وذلك أن قيامه بأداء الرسالة تصرف على إرادة الله ومحبته.
قال الزجاج: اخترتك لأمري وجعلتك القائم بحجتي والمخاطب بيني وبين خلقي، كأني الذي أقمت بك عليهم الحجة وخاطبتهم. {اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي} بدلائلي، وقال ابن عباس: يعني الآيات التسع التي بعث بها موسى {وَلا تَنِيَا} لا تضعفا، وقال السدي: لا تفترا. وقال محمد بن كعب: لا تقصرا {فِي ذِكْرِي} {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} قرأ أبو عمرو، وأهل الحجاز: {لنفسي اذهب}، {وذكري اذهبا}، و{إن قومي اتخذوا} [الفرقان- 30]، {من بعدي اسمه} [الصف- 6] بفتح الياء فيهن، ووافقهم أبو بكر: {من بعدي اسمه}، وقرأ الباقون بإسكانها. {فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا} يقول: دارياه وارفقا معه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تعنفا في قولكما.
وقال السدي وعكرمة: كنياه فقولا يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد.
وقال مقاتل: يعني القول اللين: {هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى} [النازعات- 18، 19].
وقيل: أمر باللطافة في القول لما له من حق التربية.
وقال السدي: القول اللين: أن موسى أتاه ووعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم، وملكا لا ينزع منه إلا بالموت، وتبقى عليه لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته، وإذا مات دخل الجنة، فأعجبه ذلك وكان لا يقطع أمرا دون هامان، وكان غائبا فلما قدم أخبره بالذي دعاه إليه موسى، وقال أردت أن أقبل منه، فقال له هامان: كنت أرى أن لك عقلا ورأيا، أنت رب، تريد أن تكون مربوبا؟ وأنت تعبد تريد أن تعبد؟ فقلبه عن رأيه.
وكان هارون يومئذ بمصر، فأمر الله موسى أن يأتي هارون وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى، فتلقاه إلى مرحلة، وأخبره بما أوحي إليه.
{لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} أي: يتعظ ويخاف فيسلم.
فإن قيل: كيف قال: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ} وقد سبق علمه أنه لا يتذكر ولا يسلم؟.
قيل: معناه اذهبا على رجاء منكما وطمع، وقضاء الله وراء أمركما.
وقال الحسين بن الفضل: هو ينصرف إلى غير فرعون، مجازه: لعله يتذكر متذكر، ويخشى خاش إذا رأى بري وألطافي بمن خلقته وأنعمت عليه ثم ادعى الربوبية.
وقال أبو بكر محمد بن عمر الوراق: {لعل} من الله واجب ولقد تذكر فرعون وخشي حين لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك حين ألجمه الغرق، قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين.
وقرأ رجل عند يحيى بن معاذ هذه الآية: {فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا} فبكى يحيى، وقال: إلهي هذا رفقك بمن يقول أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول أنت الإله؟!.

.تفسير الآية رقم (45):

{قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45)}
{قَالا} يعني موسى وهارون: {رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعجل علينا بالقتل والعقوبة، يقال: فرط عليه فلان إذا عجل بمكروه، وفرط منه أمر أي بدر وسبق، {أَوْ أَنْ يَطْغَى} أي يجاوز الحد في الإساءة إلينا.

.تفسير الآيات (46- 50):

{قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48) قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)}
{قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} قال ابن عباس: أسمع دعاءكما فأجيبه، وأرى ما يراد بكما فأمنعه، لست بغافل عنكما، فلا تهتما. {فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ} أرسلنا إليك، {فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} أي: خل عنهم وأطلقهم من أعمالك، {وَلا تُعَذِّبْهُمْ} لا تتعبهم في العمل. وكان فرعون يستعملهم في الأعمال الشاقة، {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ} قال فرعون: وما هي؟ فأخرج يده، لها شعاع كشعاع الشمس، {وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} ليس المراد منه التحية، إنما معناه سلم من عذاب الله من أسلم. {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} إنما يعذب الله من كذب بما جئنا به وأعرض عنه. {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى} من إلهكما الذي أرسلكما؟. {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} قال الحسن وقتادة: أعطى كل شيء صلاحه، وهداه لما يصلحه.
وقال مجاهد: أعطى كل شيء صورته، لم يجعل خلق الإنسان كخلق البهائم، ولا خلق البهائم كخلق الإنسان، ثم هداه إلى منافعه من المطعم والمشرب والمنكح.
وقال الضحاك: {أعطى كل شيء خلقه}: يعني اليد للبطش، والرجل للمشي، واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع.
وقال سعيد بن جبير: {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ} يعني زوج، للإنسان المرأة، وللبعير الناقة، وللحمار الأتان، وللفرس الرمكة. {ثُمَّ هَدَى} أي: ألهمه كيف يأتي الذكر الأنثى.

.تفسير الآيات (51- 53):

{قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأولَى (51) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى (52) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا وَأَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53)}
{قَالَ} فرعون: {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأولَى} ومعنى البال: الحال، أي: ما حال القرون الماضية والأمم الخالية، مثل قوم نوح وعاد وثمود فيما تدعونني إليه فإنها كانت تعبد الأوثان وتنكر البعث؟. {قَالَ} موسى: {عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} أي: أعمالهم محفوظة عند الله يجازي بها.
وقيل: إنما رد موسى علم ذلك إلى الله لأنه لم يعلم ذلك، فإن التوراة أنزلت بعد هلاك فرعون وقومه.
{فِي كِتَابٍ} يعني: في اللوح المحفوظ، {لا يَضِلُّ رَبِّي} أي: لا يخطئ. وقيل: لا يضل عنه شيء ولا يغيب عن شيء، {وَلا يَنْسَى} أي: لا يخطيء ما كان من أمرهم حتى يجازيهم بأعمالهم. وقيل: لا ينسى أي: لا يترك، فينتقم من الكافر ويجازي المؤمن. {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا} قرأ أهل الكوفة: {مَهْدًا} هاهنا، وفي الزخرف، فيكون مصدرا، أي: فرشا، وقرأ الآخرون: {مهادا}، كقوله تعالى: {ألم نجعل الأرض مهادا} [النبأ: 16]، أي: فراشا وهو اسم لما يفرش، كالبساط: اسم لما يبسط.
{وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا} السلك: إدخال الشيء في الشيء، والمعنى: أدخل في الأرض لأجلكم طرقا تسلكونها قال ابن عباس: سهل لكم فيها طرقا تسلكونها.
{وَأَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} يعني: المطر.
تم الإخبار عن موسى، ثم أخبر الله عن نفسه بقوله: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} بذلك الماء {أَزْوَاجًا} أصنافا، {مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى} مختلف الألوان والطعوم والمنافع من بين أبيض وأحمر وأخضر وأصفر، فكل صنف منها زوج، فمنها للناس ومنها للدواب.

.تفسير الآيات (54- 55):

{كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأولِي النُّهَى (54) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55)}
{كُلُوا وَارْعَوْا} أي وارتعوا {أَنْعَامَكُمْ} تقول العرب: رعيت الغنم فرعت، أي: أسيموا أنعامكم ترعى.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ} الذي ذكرت، {لآيَاتٍ لأولِي النُّهَى} لذوي العقول، واحدتها: نهية سميت نهية لأنها تنهى صاحبها عن القبائح والمعاصي.
قال الضحاك: {لأولِي النُّهَى} الذين ينتهون عما حرم عليهم.
قال قتادة: لذوي الورع. {مِنْهَا} أي من الأرض، {خَلَقْنَاكُمْ} يعني أباكم آدم.
وقال عطاء الخراساني إن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة فيخلق الله من التراب ومن النطفة فذلك قوله تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} أي: عند الموت والدفن، {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} يوم البعث.

.تفسير الآيات (56- 59):

{وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (58) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59)}
قوله عز وجل: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ} يعني فرعون، {آيَاتِنَا كُلَّهَا} يعني: الآيات التسع التي أعطاها الله موسى، {فَكَذَّبَ} بها وزعم أنها سحر، {وَأَبَى} أن يسلم. {قَالَ} يعني فرعون {أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا} يعني: مصر، {بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى} أي: تريد أن تغلب على ديارنا فيكون لك الملك وتخرجنا منها. {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا} أي: فاضرب بيننا أجلا وميقاتا، {لا نُخْلِفُهُ} قرأ أبو جعفر {لا نخلفه} بجزم، لا نجاوزه {نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى} قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ويعقوب: {سوى} بضم السين، وقرأ الآخرون بكسرها، وهما لغتان مثل: عدى وعدى وطوى وطوى.
قال مقاتل وقتادة: مكانا عدلا بيننا وبينك.
وعن ابن عباس: نصفا، ومعناه: تستوي مسافة الفريقين إليه.
قال مجاهد: منصفا. وقال الكلبي: يعني سوى هذا المكان. {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ} قال مجاهد، وقتادة، ومقاتل، والسدي: كان يوم عيد لهم، يتزينون فيه، ويجتمعون في كل سنة. وقيل: هو يوم النيروز.
وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: يوم عاشوراء.
{وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} أي: وقت الضحوة نهارا جهارا، ليكون أبعد من الريبة.